المقريزي
15
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وعشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران ، وفرّقت فيها . ونزل مري بجموع الفرنج على بركة الحبش ، فلما رأى دخان الحريق تحوّل من بركة الحبش ونزل على القاهرة مما يلي باب البرقية ، وقاتل أهل القاهرة وقد انحشر الناس فيها ، واستمرّت النار في مصر أربعة وخمسين يوما ، والنهابة تهدم ما بها من المباني وتحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مري قدوم أسد الدين شيركوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام ، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ، وتراجع المصريون شيئا بعد شيء إلى مصر ، وتشعث الجامع ، فلما استبدّ السلطان صلاح الدين بمملكة مصر بعد موت العاضد ، جدّد الجامع العتيق بمصر في سنة ثمان وستين وخمسمائة ، وأعاد صدر الجامع والمحراب الكبير ورخمه ورسم عليه اسمه ، وجعل في سقاية قاعة الخطابة قصبة إلى السطح ، يرتفق بها أهل السطح ، وعمر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة ، وجعل لها سقاية ، وعمر في كنف دار عمرو الصغرى البحريّ مما يلي الغربيّ ، قصبة أخرى إلى محاذاة السطح ، وجعل لها ممشاة من السطح إليها يرتفق بها أهل السطح ، وعمر غرفة الساعات وحرّرت ، فلم تزل مستمرّة إلى أثناء أيام الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ ، أوّل من ملك من المماليك ، وجدّد بياض الجامع وأزال شعثه ، وجلى عمده ، وأصلح رخامه ، حتى صار جميعه مفروشا بالرخام وليس في سائر أرضه شيء بغير رخام حتى تحت الحصر . ولما تقلد قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن الأعز أبي القاسم خلف بن رشيد الدين محمود بن بدر ، المعروف بابن بنت الأعز العلائي الشافعيّ ، قضاء القضاة بالديار المصرية ، ونظر الأحباس في ولايته الثانية أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداريّ ، كشف الجامع بنفسه ، فوجد مؤخره قد مال إلى بحريه ، ووجد سوره البحريّ قد مال وانقلب علوه عن سمت سفله ، ورأى في سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة ، وبعضها مزخرف ، فهدم الجميع ولم يدع بالسطح سوى غرفة المؤذنين القديمة وثلاث خزائن لرؤساء المؤذنين لا غير ، وجمع أرباب الخبرة فاتفق الرأي على إبطال جريان الماء إلى فوّارة الفسقية ، وكان الماء يصل إليها من بحر النيل ، فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضرر على جدر الجامع ، وعمر بغلات بالزيادة البحرية تشدّ جدار الجامع البحريّ ، وزاد في عمد الزيادة ما قوّى به البغلات المذكورة ، وسدّ شباكين كانا في الجدار المذكور ليتقوّى بذلك ، وأنفق المصروف على ذلك من مال الأحباس ، وخشي أن يتداعى الجامع كله إلى السقوط ، فحدّث الصاحب الوزير بهاء الدين عليّ بن محمد بن سليم بن حنا في مفاوضة السلطان في عمارة ذلك من بيت المال ، فاجتمعا معا بالسلطان الملك الظاهر بيبرس وسألاه في ذلك ، فرسم بعمارة الجامع ، فهدم الجدار البحريّ من مقدّم الجامع ، وهو الجدار الذي فيه اللوح الأخضر ، وحط اللوح وأزيلت العمد والقواصر العشر ، وعمر الجدار المذكور وأعيدت العمد والقواصر كما كانت ، وزيد في العمد أربعة قرن ، بها أربعة مما هو تحت اللوح الأخضر ، والصف الثاني منه ،